محمد بن جرير الطبري

383

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لا ينزع إليها ، فلا تأخذ عليه مضايقها ، وامل له ما لم تضطرك جريرته إلى مكاشفته بها ، والرأي لزوم عروه الثقة ، وحسم الفرقة ، فان امسك فبنعمه وان تطلع إليها فقد تعرض لله بالمخالفة ، وتعرضت منه بالإمساك للتأييد والمعونة . قال : وعلم المأمون والفضل انه سيحدث بعد كتابه من الحدث ما يحتاج إلى لمه ، ومن الخبر ما يحتاج ان يباشره بالثقه من أصحابه ، وانه لا يحدث في ذلك حدثا دون مواطاه رجال النباهة والأقدار من الشيعة وأهل السابقة ، فرأى ان يختار رجلا يكتب معه إلى أعيان أهل العسكر من بغداد ، فان احدث محمد خلعا للمأمون صار إلى دفعها ، وتلطف لعلم حالات أهلها ، وان لم يفعل من ذلك شيئا خنس في حقته ، وامسك عن إيصالها ، وتقدم اليه في التعجيل . ولما قدم أوصل الكتب ، وكان كتابه مع الرسول الذي وجهه لعلم الخبر : اما بعد ، فان أمير المؤمنين كأعضاء البدن ، يحدث العلة في بعضها ، فيكون كره ذلك مؤلما لجميعها ، وكذلك الحدث في المسلمين ، يكون في بعضهم فيصل كره ذلك إلى سائرهم ، للذي يجمعهم من شريعه دينهم ، ويلزمهم من حرمه اخوتهم ، ثم ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذي به الأئمة من سائر أممهم ، وقد كان من الخبر ما لا احسبه الا سيعرب عن محنته ، ويسفر عما استتر من وجهه ، وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع امر الله الا كان أول معونه المسلمين وموالاتهم في ذات الله ، وأنت يرحمك الله من الأمر بمراى ومسمع ، وبحيث ان قلت اذن لقولك ، وان لم تجد للقول مساغا فأمسكت عن مخوف اقتدى فيه بك ، ولن يضيع على الله ثواب الاحسان مع ما يجب علينا بالإحسان من حقك ، ولحظ حاز لك النصيبين أو أحدهما أمثل من الاشراف لأحد الحظين ، مع التعرض لعدمهما ، فاكتب إلى برأيك ، واعلم ذلك لرسولي ليؤديه إلى عنك إن شاء الله . وكتب إلى رجال النباهة من أهل العسكر بمثل ذلك . قال : فوافق قدوم الرسول بغداد ما امر به من الكف عن الدعاء للمأمون